من مذكرات الشيخ المجاهد الشهيد ادريس محمد آدم

قائد الثورة الارترية 

فصل:لماذا تم إعلان الثورة المسلحة بقيادة عواتي في 1961/9/1

 

     أذكر للتأريخ أن القائد البطل حامد إدريس عواتي قرر أن يعلن الثورة المسلحة قبل أن نوفر له الإمكانيات المادية المتفق عليها ، فلجأ الى جبال ( آدال) في غرب ارتريا في شهر سبتمبر 1961 ومعه 12 رجلا من أنصاره ، وكان سلاحهم بندقية انجليزية (303) جيدة تخص القائد عواتي وبعض البنادق الايطالية القديمة وقليل من الذخيرة . لقد فاجأنا توقيت هذه الخطوة وكان السؤال المركزي أمامنا : هل نتبنى هذه الثورة ونتحرك بالقليل من الامكانيات المتوفرة لدينا لدعمها وحمايتها أم نتريث ونتابع الموقف ونستمر في جهودنا لتقوية التنظيم وجمع السلاح والمال وكسب التأييد حتى تنضج الظروف الملائمة لانطلاق الكفاح المسلح .وأذكر للتأريخ أن موقف قيادة الجبهة كان حاسما وواضحا . فهذه هي ثورة الشعب الارتري وعواتي هو قائدها الميداني وأن الجبهة هي القيادة السياسية المسؤولة عنها ، وأنه لابد من التحرك فورا لدعم عواتي ورفاقه . فبادرنا بإرسال المال الذي جمعناه من تبرعات العمال الارتريين في السعودية لفرع الجبهة في كسلا ( مجموعة العسكريين ) وطلبنا منهم إقامة إتصال مباشر بالقائد عواتي وإبلاغه بمساندة التنظيم له ، والاستفادة من هذا المال في شراء السلاح من داخل إثيوبيا وتزويد المقاتلين به وتزويدنا بتقرير شامل عن موقف عواتي وإماكاناته وظروف إعلانه الكفاح المسلح ، وأكدنا لهم أن ساعة العمل الثوري قد حانت فعليهم الإستعداد للإنخراط في الثورة المسلحة . لقد تبين لنا من المعلومات المتوفرة والموثوقة أن القائد عواتي أضطر لحمل السلاح بعد أن تأكد له أن إثيوبيا تشك فيه وأنها قررت إعتقاله حتى تمنعه من حمل السلاح ضدها ، فبادر الى التحرك السريع .وبالفعل فإن إثيوبيا أرسلت الوحدات الخاصة ( الفيلد فورس) من الشرطة لقمع حركة عواتي والقضاء عليها في مهدها . حدثت مناوشات بين الثوار وهذه القوات الخاصة التي نظمتها ودربتها الحكومة الاستعمارية البريطانية ، إلا أن القائد عواتي بخبرته وشهرته كمقاتل فذ كان يتفادى الدخول في معارك حاسمة ومباشرة مع هذه القوات ويعتمد أسلوب حرب العصابات في الكر والفر ويستفيد من طبيعة الأرض الجبلية وتأييد الشعب في تفادي الوقوع في الكمائن التي تعدها له الوحدات الخاصة . لقد نجح القائد المغوار في إطلاق الثورة وتحدي الإمبراطورية الاثيوبية بهذه الإمكانات المتواضعة وحافظ على قوته  الصغيرة ، وبهذا العمل التاريخي فتح الطريق أمام أبناء الشعب للإنضمام اليه والالتفاف حوله حتى إشتد ساعد الثوار وقويت شوكتهم وإرتفعت رايتهم .وفي إستجابة مباشرة إنضم أحد عشر عسكريا من أعضاء الجبهة الى القائد عواتي في مارس 1962 بعد أن إستقالوا من الجيش السوداني وهم يحملون بنادق إيطالية قديمة تم شراؤها من تبرعات العمال في السعودية ، فرحب بهم القائد البطل وسلمهم قيادة مجموعات الثوار فبدأوا بتدريب المتطوعين ورفع كفاءة المقاتلين ووضعوا خطة للهجوم على أحد مراكز الشرطة النائية بغرض الحصول على السلاح ، إلا أن تنفيذ الخطة كان يتطلب توفر سلاح حديث وذخيرة كافية حيث أن البنادق الايطالية القديمة لا تصلح لتنفيذ الخطة لقدمها وعدم توفر ذخيرتها . ومن ثم صرف النظر عن ذلك بعد أن تنبهت الحكومة الاثيوبية فعززت مراكز الشرطة بالرجال والسلاح الحديث ومن بينها مركز تسني .

     وفي إبريل 1962 إنضم عضو قيادة الجبهة في القاهرة المجاهد الشهيد سعيد حسين الى الثوار في الميدان للإستفادة من خبرته العسكرية في مصر حيث شارك مع أبناء الشعب المصري في حرب عام 1956 ضد قوات الغزو البريطاني الفرنسي الاسرائيلي .        لقد إلتحق سعيد بكتائب المتطوعين التي حاربت في سيناء تأكيدا لعمق الروابط بين الشعب الإرتري وشعب مصر العربية . وعاد بعد الحرب ليكمل تعليمه حتى حانت ساعة العمل الثوري فلبى النداء وإلتحق بالمجاهدين في الريف في 1962 . وإثر وصوله تم عقد إجتماع في كسلا حضره مندوبون من الثوار في الميدان وممثلون لفروع الجبهة في السودان تقرر فيه تكوين قيادة عسكرية تشرف على العمل الثوري وتكون حلقة صلة بين

الميدان والقيادة السياسية  في الخارج ويكون مقرها في كسلا لموقعها القريب من الحدود مع ارتريا وأطلق على هذه القيادة ( القيادة الثورية الشعبية ) وتفرغ المجاهد سعيد حسين لقيادة مجموعات الفدائيين في المدن الارترية.

 

فصل : وصول أول دفعة من السلاح للمقاتلين في الريف

     لقد فشلت أول محاولة لشراء السلاح من داخل إثيوبيا بعد أن إكتشفتها السلطات الاثيوبية . فقد قمنا بجمع مبلغ من المال من أعضاء الجبهة في السعودية وأرسلناه الى الأخ والصديق محمود محمد عمر ابراهيم في أسمرة مع شخصين من أعضاء الجبهة في السودان وطلبنا منه شراء سلاح من داخل إثيوبيا وتهريبه الى ارتريا وتسليمه للثوار في سرية تامة . كلف الأخ محمود شخصا يثق فيه وفعلا تم شراء السلاح من إثيوبيا ونقل الى ارتريا إلا أن حكومة ارتريا العميلة إكتشفت أمر السلاح فصادرته وقبضت على الأخ آدم ملكين والأخ محمود محمد عمر وأخضعتهما لتعذيب شديد ثم حكمت عليهما بالسجن عدة سنوات بعد أن تأكدت أنني وراء هذه المحاولة . ثم كانت المحاولة الثانية الناجحة في شراء السلاح من الخارج وتهريبه عبر السودان الى ارتريا ، وهذه هي القصة .

     تبرع العمال المقيمون في السعودية بالمال من أجل شراء السلاح ليدعموا به الثورة  وقد أدى الأخ المجاهد الشهيد عثمان صالح سبي دورا هاما في تقوية فروع الجبهة في جدة والرياض وبقية المدن السعودية التي تتواجد فيها الجالية الإرترية . فقد كان شخصا نشطا تتوفر فيه شروط القيادة ويمتاز بحديثه الجذاب وأسلوبه المرن في التعامل مع الآخرين . تم تكليف الأخ عثمان بالتوجه إلى عدن التي كانت في ذلك الوقت تحت الإستعمار البريطاني بغرض شراء سلاح بهذا المال . وفعلا إشترى بنادق إنجليزية ومسدسات وذخائر من السوق. تم جمع الأسلحة ووضعها في حقائب بمساعدة أعضاء الجبهة ومن ثم سافرت الى الخرطوم بالطائرة ومعي هذه الشحنة . كانت اللحظة الحاسمة تقترب . كنت أسأل نفسي هل أنجح في إيصال هذا السلاح لايدي الثوار في جبال ارتريا الذين ينتظرونه بفارغ الصبر . دخلنا المطار وفي قاعة الجمارك لفت نظر المفتش منظر الحقائب فطلب مني أن أفتحها ، إعترضت على طلبه بحكم أنني أحمل جواز سفر دبلوماسيا صوماليا وأتمتع بالحصانة الدبلوماسية ، فزادت شكوكه لاسيما وأن لهجتي في الحديث ومنظر ( الشلوخ ) على وجهي توحي بأنني سوداني وأن في هذه الحقائب سلاحا ربما يخص الاحزاب السودانية المعارضة للحكومة العسكرية بقيادة الفريق ابراهيم عبود . وبعد جدال وإصرار من جانبي على عدم تفتيش الحقائب والسماح لي بإدخالها كما هي أو العودة بها من حيث أتيت ، اتفقت مع المفتش أن تبقى الحقائب في المطار ويسمح لي بالدخول لأعالج هذا الموضوع مع المسؤولين في الحكومة . نزلت في الفندق ومن هناك إتصلت بفرع الجبهة لأعلمهم بالوضع ومن ثم بحثت عن صديق للجبهة كان يعمل في القنصلية السودانية في جدة . نجحت في الاتصال بالسيد الفاضل ( علي طالب الله ) وكان وقتها قد انتقل الى وزارة الخارجية وأطلعته على الموقف بالتفصيل ، فبادر باعداد رسالة من وزارة الخارجية الى سلطة الجمارك في المطار يطلب فيها السماح بإدخال الحقائب لأنها تحتوي على منشورات سياسية تخص ثوار ارتريا . قابلت مسؤول الجمارك في المطار وسلمته الرسالة فرفضها رفضا تاما قائلا أن الامر لا يخص وزارة الخارجية ، ثم سألني : لماذا ترفض تفتيش الحقائب ، فأجبته لانني أتمتع بالحصانة الدبلوماسية وهذا حق وعرف معتمد فكما أنه يحق لي الدخول بدون تفتيش في مطار الخرطوم فكذلك تعامل حكومة الصومال الدبلوماسيين السودانيين في مطار مقديشو . قال متسائلا : ألا يوجد سلاح في هذه الحقائب ؟ أجبته ضاحكا : كنت أتوقع أن تسألني هل يوجد فيها مخدرات ؟ رد قائلا : أتخلف بشرفك أنه لا يوجد فيها سلاح ؟ قلت - وبدون تردد ليقيني بأن لا مخرج آخر أمامي لإدخال السلاح الذي ينتظره المجاهدون في جبال ارتريا بفارغ الصبر -  بشرفي لا  يوجد فيها سلاح . عندئذ وافق على أن أتسلم الحقائب بدون تفتيش . حمدت الله كثيرا أن يسر لي إدخال هذه الشحنة الهامة . إتجهت فورا الى فرع الجبهة في الخرطوم ومعي الحقائب حيث قام الشباب بتوزيعها في حقائب أصغر حجما وكلفوا عددا من الأعضاء بحملها في القطار متجهين الى مدينة كسلا في اليوم التالي بواقع حقيبة واحدة مع كل شاب . إتفقنا على أن أغادر الى القاهرة قبل أن تكتشف السلطات السودانية الأمر . سافرت الى القاهرة في اليوم التالي وعندما سأل عني رجال الأمن في الفندق أبلغوهم بأنني قد غادرته . وفي كسلا تولت القيادة العسكرية استلام السلاح وتهريبه عبر الحدود الى ارتريا برفقة عدد من المجاهدين الذين قرروا الإلتحاق بالثورة . كما قمت بتهريب السلاح عدة مرات آخرى بوضعه في حقائب سفر والدخول الى السودان مستغلا جوازي الدبلوماسي الصومالي ونجحت في تسليمه لإعضاء الجبهة الذين تولوا نقله الى الثوار في الميدان .